عبد القاهر الجرجاني
35
دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )
الكلام الذي هيَ مَجازٌ فيه ، سَبيلُها في الأَشياءِ التي هي حقيقةٌ فيها ، وأنه كما يَفْضُلُ هناك النظْمُ النظمَ ، والتأليفُ التأليفَ ، والنسجُ النسجَ ، والصياغةُ الصياغةَ ، ثم يَعْظُمُ الفضلُ ، وتَكثُر المَزِيَّةُ ، حتى يَفوقَ الشيءُ نظيرَه والمجانِسَ له درجاتٍ كثيرة ، وحتى تَتفاوتَ القِيمُ التَّفاوُتَ الشديدَ ، كذلك يَفْضُلُ بَعْضُ الكلام بَعضاً ، ويتَقدَّمُ منه الشيءُ الشيءَ ، ثم يزداد فضله ذلك يوترقى منزلةً فوقَ مَنزلةٍ 1 ، ويَعْلو مَرْقباً بعدَ مَرْقبٍ ، ويَسْتأنِفُ له غايَةٌ بعدَ غايةٍ ، حتى يَنتهيَ إلى حيثُ تَنْقطِعُ الأطماعُ ، وتُحْسَرُ الظنونُ 2 ، وتَسقُطُ القُوى ، وتستوى الأقدام في العجز . فاتحة القول في الفصاحة والبلاغة : 28 - وهذه جملةٌ قد يُرى في أوّلِ الأَمرِ وبادئ الظن ، أنها تكفي وتعني ، حتى إِذا نظَرْنا فيها ، وعُدْنا وبدَأْنا ، وجَدْنا الأمرَ على خِلاف ما حَسِبْناه ، وصادَفْنَا الحالَ على غيرِ ما توهَّمْناه ، وعلِمْنا أنَّهم لِئنْ أَقْصَروا اللّفظَ لقد أطالوا المعنى ، وإنْ لم يعرقوا في النزاع 3 ، لقد أبعدوا على ذلك في المرمى . وذاك أنه يقال لنا 4 : ما زدتم على أن سقتم قِياساً 5 ، فقُلْتم : نَظْمٌ ونَظْمٌ ، وترتيبٌ وترتيبٌ ، ونَسْجٌ ونَسْج ، ثمَ بنَيْتم عليه أنه يَنبغي أن تظهر المزينة في هذه المعاني ها هنا ، حسَب ظهورِها هناك ، وأنْ يَعظُمَ الأمرُ في ذلك
--> 1 في المطبوعة : " من فضله ذلك " . 2 " تحسر الظنون " ، أي حتى تكل من التعب وتنقطع عن المضي . 3 في " س " : " لئن اقتصروا على اللفظ . . . ولئن لم يغرقوا . . . " . 4 في المطبوعة : " وذاك لأنه " . 5 ي المطبوعة : " قستم قياسًا " .